الآلوسي

20

تفسير الآلوسي

النحويين وحذف لدلالة - ألم تر - عليه على أنه قد قيل : إن مثال هذا النظم كثيراً ما يحذف منه فعل الرؤية كقوله : قال لها كلابها أسرعي * كاليوم ( مطلوباً ولا طاباً ) وجئ بهذه الكاف للتنبيه على تعدد الشواهد وعدم انحصارها فيما ذكر كما كما في قولك - الفعل الماضي - مثل : نصر ، وتخصيص هذا بذلك على ما قيل : لأن منكر الإحياء كثير ، والجاهل بكيفيته أكثر من أن يحصى بخلاف مدعي الربوبية ، وقيل : إنها زائدة - وإلى ذلك ذهب الأخفش - أي : ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم أو الذي مر الخ ، وقيل : إنه عطف محمول على المعنى كأنه قيل : ألم تر كالذي حاج أو كالذي مر وقيل : إنه من كلام إبراهيم عليه السلام ذكره جواباً لمعارضة ذلك الكافر ، وتقديره وإن كنت تحيي فأحي كإحياء الذي مرّ ، ولا يخفى ضعفه للفصل وكثرة التقدير ، وإنما لم تجعل الكاف أصلية والعطف على * ( الذي ) * نفسه في الآية السابقة لاستلزامه دخول ( إلى ) على الكاف ، وفيه إشكال لأنها إن كانت حرفية فظاهر وإن كانت اسمية فلأنها مشبهة بالحرف في عدم التصرف لا يدخل عليها من الحروف إلا ما ثبت في كلامهم ، وهو - عن - وذلك على قلة أيضاً ، وقال بعضهم : إن كلا من لفظ ( ألم تر ) و ( أرأيت ) مستعمل لقصد التعجب إلا أن الأول : تعلق بالتعجب منه فيقال : ألم تر إلى الذي صنع كذا بمعنى أنظر إليه فتعجب من حاله ، والثاني : بمثل المتعجب منه فيقال - أرأيت مثل الذي صنع كذا بمعنى أنه من الغرابة بحيث لا يرى له مثل ولا يصح ألم تر إلى مثله إذ يكون المعنى أنظر إلى المثل وتعجب من الذي صنع ، ولذا لم يستقم عطف ( الذي مر ) على ( الذي حاج ) ( البقرة : 258 ) ويحتاج إلى التأويل في المعطوف بجعله متعلقاً بمحذوف - أي أرأيت كالذي مر - فيكون من عطف الجملة أو في المعطوف عليه نظراً إلى أنه في معنى - أرأيت كالذي حاج - فيصح العطف عليه ؛ ومن هذا يعلم أن عدم الاستقامة ليس لمجرد امتناع دخول ( إلى ) على الكاف بل لو قلت : ألم ترى إلى الذي حاج أو مثل الذي مر فعدم الاستقامة بحاله عند من له معرفة بأساليب الكلام ، وإن هذا ليس من زيادة الكاف في شيء بل لا بد في التعجب بكلمة ( أرأيت ) من إثبات كاف ، أو ما في معناه - ولا يخفى أن هذا من الغرابة بمكان - فإن ( ألم تر ) يستعمل للتعجب مع التشبيه في كلام العرب كما يشير إليه كلام سيبويه ، و ( أرأيت ) كثيراً ما يستعمل بدون الكاف أو ما في معناه ، وهو في القرآن كثير وكيف يفرق بينهما بأن الأول تعلق بالمتعجب منه ، وفي الثاني بمثله ، والمثلية إنما جاءت من ذكر الكاف ولو ذكرت في الأول لكان مثله بلا فرق فهذا مصادرة على المطلوب فليس إلا ما ذكر أولاً سوى أن تقدير ( أرأيت ) مع الكاف أولى لأن استعماله معها أكثر فتدبر . و ( أو ) للتخيير أو للتفصيل - والمار - هو عزيز بن شرخيا - كما أخرجه الحاكم عن علي كرم الله تعالى وجهه وإسحق بن بشر عن ابن عباس وعبد الله بن سلام ، وإليه ذهب قتادة وعكرمة والربيع والضحاك والسدي وخلق كثير - وقيل : هو أرميا بن خلقيا من سبط هارون عليه السلام - وهو المروي عن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه - وإليه ذهب وهب ، وقيل : هو الخضر عليه السلام - وحكي ذلك عن ابن إسحاق - وزعم بعضهم أن هذين القولين واحد ، وأن أرميا هو الخضر بعينه ، وقيل : شعيا ، وقيل : غلام لوط عليه السلام ، وقال مجاهد : كان المار رجلاً كافراً بالبعث وأيد بنظمه مع نمروذ في سلك واحد حيث سيق الكلام للتعجيب من حالهما ، وبأن كلمة الاستبعاد في هذا المقام تشعر بالإنكار ظاهراً وليست هي فيه مثلها في * ( أنى يكون لي غلام ) * ( آل عمران : 40 ) و * ( أنى يكون لي ولد ) * ( آل عمران : 47 ) وعورض بما بين قصته إبراهيم الآتية بعد من التناسب المعنوي فإن كليهما طلبا